تُعد طنجة واحدة من أقدم المدن المأهولة في حوض البحر الأبيض المتوسط وأكثرها ارتباطاً بالأسطورة البشرية؛ إذ تعود جذورها الأسطورية إلى أوائل التجليات الفينيقية واليونانية، وقد نسبت الروايات القديمة اسمها إلى "طنجيس"، زوجة البطل الأسطوري أنتايوس وابنة الإله بوسيدون. ويُحكى أن هرقل، بعد تغلبه على أنتايوس، شق الجبل الذي كان يفصل بين أفريقيا وأوروبا ليفسح المجال أمام مضيق جبل طارق ويسمح لمياه الأطلسي بالالتقاء بمياه المتوسط. أسسها الفينيقيون في القرن العاشر قبل الميلاد كمركز تجاري وميناء رئيسي، وتوالى عليها القرطاجيون قبل أن يضمها الإمبراطورية الرومانية لتصبح عاصمة مقاطعة "موريتانيا الطنجية" المزدهرة، المشهورة بمصانع تمليح السمك والزراعة. ومن شواطئها الشامخة، عبَر القائد الإسلامي طارق بن زياد في عام 92 هـ بجيوش الفتح نحو الأندلس، ليبدأ عصر ارتبطت فيه المدينة ارتباطاً وثيقاً بمصير شبه الجزيرة الإيبيرية. وقعت طنجة تحت الاحتلال البرتغالي عام 1471، ثم انتقلت إلى التاج الإنجليزي عام 1661 كجزء من مهر الأميرة البرتغالية كاثرين من براغانزا عند زواجها من الملك تشارلز الثاني ملك إنجلترا. غير أن المقاومة المغربية الشرسة وحصار فرسان السلطان العلوي مولاي إسماعيل أجبروا الإنجليز على إجلائها وتدمير تحصينات مينائها عام 1684. وفي القرن العشرين، عاشت طنجة واقعاً فريداً بتحولها بموجب مؤتمر باريس إلى "منطقة دولية" تحت إدارة مشتركة لعدة قوى بين عامي 1923 و1956، لتتحول إلى ملاذ عالمي للتجار والدبلوماسيين والماليين وشبكات التجسس الدولية، فضلاً عن فضاء حر ومنفتح جذب أعلام الفكر والأدب من كل أصقاع الأرض.
ترتفع "قصبة طنجة" التاريخية فوق تل شديد الانحدار يشرف بوضوح على المضيق والسواحل الإسبانية، وتكللها "دار المخدر" أو "قصر دار المخزن" التاريخي الذي أمر ببنائه السلطان مولاي إسماعيل. وهو مجمع معماري يضم اليوم متحف القصبة للثقافات المتوسطية، بفنائه الرخامي وحديقته الأندلسية المليئة بزنبق النرجس وجدرانه المزخرفة بأجمل فن الزليج الفاسي. وفي الواجهة الصخرية الغربية المطلة على الأطلسي تقع "مغارة هرقل" بفتحاتها البحرية المنحوتة على مدى آلاف السنين بفعل حركة المد والجزر، والتي ترسم بوضعيتها خارطة القارة الإفريقية مقلوبة. وإلى جانبها يرتفع رأس "سبارتل" حيث المنارة التاريخية التي شُيدت بأمر من السلطان محمد الرابع عام 1864، لتحدد بدقة النقطة الجغرافية الفاصلة حيث تلتقي أمواج الأطلسي الهائجة بمياه المتوسط الهادئة. وتنحدر مسارات المدينة العتيقة من "السوق الكبير" (ساحة 9 أبريل 1947)، مسرح الخطاب التاريخي للمغفور له الملك محمد الخامس المطالب بالاستقلال والوحدة الترابية للمملكة، لتفضي نحو "السوق الصغير" بأزقته المكتظة بمحلات العطور والأقمشة ومقاهيه الأسطورية، وصولاً إلى "مقهى هافا" المنحوت على المنحدرات الصخرية الشديدة الانحدار المطلة على البحر، والذي تصطف مصاطبه الحجرية في الهواء الطلق منذ عشرينيات القرن الماضي.
تتألق طنجة بمعالم تجسد تلاقح الثقافات والأديان قل نظيره في العالم، يتصدرها مبنى "المفوضية الأمريكية" في قلب المدينة العتيقة، كأقدم ملكية دبلوماسية عامة للولايات المتحدة في العالم وأول عقار أهدته دولة أجنبية للولايات المتحدة بأمر من السلطان مولاي سليمان عام 1821 كدليل على توطيد معاهدة الصداقة المغربية الأمريكية. وتضم اليوم مركزاً ثقافياً ومتحفاً يوثق العلاقات التاريخية. وغير بعيد عنها تقع "كنيسة القديس أندرو" التابعة للطائفة الأنجليكانية، والتي تعكس أقصى درجات التسامح الديني؛ فقد بُنيت على الطراز المعماري الموريسكي الإسلامي، ونقشت سورة الفاتحة والصلاة الربانية بالخط الكوفي العربي على جدران محرابها وفوق مذبحها المزخرف ببلاط ملون. ويتكامل التراث العمراني للممدينة مع "الجراند ثياتر سيرفانتس" (المسرح الكبير سيرفانتس)، المعلم الثقافي الإسباني الذي افتتح عام 1913؛ وحديقة "بيرديكاريس" في غابة ريميلات، بقصرها التاريخي المرتبط بقصة اختطف المليونير يون بيرديكاريس على يد الثائر أحمد الريسوني؛ و"فيلا هاريس" التي تحولت إلى متحف للفنون الحديثة محاط بحديقة فسيحة تضم أشجاراً استوائية جلبها الصحفي البريطاني والتر هاريس من رحلاته البعيدة.
كرست طنجة مكانتها كعاصمة أدبية وعالمية، ومصدر إلهام لعمالقة الفكر والأدب والرحالة، يتقدمهم ابنها البار ابن بطوطة الذي انطلق منها سنة 725 هجرية في رحلته التي طافت العالم. وفي القرن التاسع عشر، زارها الكاتب الساخر الأمريكي مارك توين عام 1869 وكتب في كتابه "المبرزون في الخارج" وصفاً لها كأول بوابة سحرية نحو الشرق والأزمان الغابرة، مؤكداً:
"لا تشبه طنجة أي شيء رأيته من قبل؛ إنها قطعة حية من القرون الخالية لا علاقة لها بعالمنا المعاصر".
وقد سحرت ألوان المدينة الرسام الفرنسي هنري ماتيس خلال إقامته بها عامي 1912 و1913، فرسم لوحتيه الشهيرتين "نافذة في طنجة" و"السوق"، وكتب لأصدقائه مؤكداً أن ضوء طنجة الشفاف وخضرتها الممتزجة بزرقتها قد غيرا أسلوبه اللوني إلى الأبد. وفي حقبة المنطقة الدولية، تحولت المدينة إلى الوطن البديل للكاتب الأمريكي بول بولز الذي عاش فيها نصف قرن وكتب فيها رائعته الخالدة "السماء الواقية"، كما استقطبت كتاب جيل البيت (Beat Generation) مثل ويليام بورروز الذي أنهى فيها روايته "الغداء العاري"، إضافة إلى تينيسي ويليامز، ترومان كابوت، جاك كيرواك، وجان جنيه. وفي المقابل، خلّد ابنها الكاتب محمد شكري أسرار قاعها وحياتها الليلية وأزقتها في سيرته الذاتية الشهيرة "الخبز الحافي"، واصفاً إياها بالمدينة التي تغوي الغريب وتمنحه حرية مطلقة يمتزج فيها الحلم بالانكسار.
تحتضن طنجة تنوعاً روحياً وشعبياً غنياً يتراوح بين زواياها الصوفية، كالشقلاوية والدرقاوية والعيساوية، وصولاً إلى فنونها الفولكلورية الجبلية المعروفة بـ "التاكتوكة الجبلية" و"العايطة الجبلية"، حيث تصدح الكمانات والبديرات والضربوك بأهازيج تروي بطولات المقاومة في جبال الريف وأفراح المواسم، متكاملةً مع رقصات طوائف كناوة وزيارات أضرحة الأولياء الصالحين، كضريح سيدي بوعراقية، قطب المدينة وحامي دروبها.
تنهل فنون الطبخ الطنجوية من خيرات الضفتين ومزارع قبائل الفحص والريف المجاورة، ويتصدرها بلا منازع "طاجين السمك الشمالي" (طاجين الـ"أوبيرج" أو الـ"أكاري") وفي هذا الطبق، تُنظَّف قطع السمك الأبيض الصخري الكبيرة وتُتبل بخلطة "الشرملة الشمالية" الشهيرة المكونة من القزبور الطري، والثوم المهروس، والكمون البلدي، والفلفل الأحمر الحلو والحار، وزيت الزيتون البكر الجبلي، وعصير الليمون الحامض والملح الخشن. وفي قاع قدر الطين تُفرش عيدان الكرفس والجزر والبطاطس لعزل السمك عن القاعدة، ويغطى بطماطم طازجة، وفلفل أخضر وأحمر مشوي، وشرائح الليمون المرقد والزيتون، ويُطبخ على نار هادئة حتى يتشرب السمك التتبيلة وتتخثر صلصته الحمراء. كما تُعتبر "البصارة الشمالية" ملكة الصباحات الباردة بلا منازع في طنجة، والمصنوعة من الفول الجاف الصغير المطبوخ مع وفرة الثوم والماء المغلي وزيت الزيتون حتى تذوب تماماً وتتحول إلى كريمة كثيفة وناعمة تقدم في أوانٍ طينية، وتُغطى بطبقة سخية من زيت الزيتون البكر الحار وتُزين بخطوط من الكمون المطحون والفلفل الحار، لتُستهلك ساخنة رفقة خبز الشعير المخبوز في أفران الحطب. وتكتمل الهوية الشعبية بـ "الكالنتيتو"، الوجبة السريعة المصنوعة من دقيق الحمص الممزوج بالماء والزيت والبيض والملح، والمخبوزة في صوانٍ نحاسية دائرية ضخمة داخل مخابز الخبز التقليدية والمرشوشة بالكمون والفلفل الحار. وتختتم الأمسيات باحتساء شاي شمالي معطر بنبتة الـ"ويبيزة" (الملج البري) أو النعناع في مقهى هافا، أمام المشهد الأبدي لغروب الشمس فوق المضيق.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!