تعد أم القيوين واحدة من أقدم المستوطنات البشرية وأعرقها في دولة الإمارات العربية المتحدة وعموم الخليج العربي، إذ تعود جذور آثارها إلى أعماق التاريخ البشري لأكثر من سبعة آلاف عام؛ فقد كشفت التنقيبات الأثرية في موقعي "تل أبرق" و"الدور" عن مراكز حضارية هامة تعود إلى العصور البرونزية والحديدية والفترة الهلنستية. وقد اعتبر موقع "الدور" أحد أكبر الموانئ التجارية القديمة على طريق التوابع والملاحة البحرية بين بلاد الرافدين وحضارة الهند والإمبراطورية الرومانية. وفي التاريخ الحديث، نشأت النواة الساحلية الحالية حوالي عام 1775 م، عندما انتقلت قبيلة "آل علي" العربية العريقة بقيادة الشيخ ماجد بن راشد المعلا من مستوطنتها القديمة في جزيرة السينية إلى شبه الجزيرة الساحلية المحصنة لأم القيوين، مؤسسة حكماً متوارثاً أرسا دعائم إمارة مستقلة وشيدت حصنها المنيع لحماية طرقها البحرية وخورها الطبيعي الواسع. وقد عاش أهالي أم القيوين في انسجام تام مع البحر، فمتهنوا صيد الأسماك والغوص على اللؤلؤ وبناء السفن، إلى جانب زراعة أشجار النخيل في واحة "فلج المعلا" الداخلية الخصبة، حتى غدت الإمارة إحدى الركائز التأسيسية لاتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر عام 1971 م، بقيادة المغفور له الشيخ أحمد بن راشد المعلا، محتفظة بأصالتها وطابعها الهادئ كواحة للتراث والسكينة وتقاليد الخليج العريقة.
تزخر أم القيوين بشواهد تاريخية وأثرية استثنائية قل نظيرها في المنطقة، يتصدرها "حصن أم القيوين" الشامخ الذي بناه الشيخ راشد بن ماجد المعلا عام 1768 م ليكون مركزاً للحكم ومقر الإمارة ومعقلاً دفاعياً يضم برجين رئيسيين هما: برج اللوارة وبرج المنصور. ويحتضن الحصن اليوم متحف أم القيوين الوطني الذي يضم قاعات التراث والاكتشافات الفريدة لموقع "الدور" الأثري، ومنها بقايا "معبد الشمس"، وهو الوحيد الذي تم اكتشافه في شبه الجزيرة العربية والمخصص لعبادة الشمس في القرون الأولى الميلادية، بما يضمه من تماثيل حجرية منحوتة ونقوش آرامية وقطع زجاجية رومانية ومجامر فخارية. وتتألق قبالة الساحل "جزيرة السينية" التاريخية، وهي محمية طبيعية وموقع أثري بكر كشفت تنقيباتها عن أقدم دير مسيحي وكنيسة تاريخية ومدينة لصيد اللؤلؤ تعود للقرن السادس الميلادي، تحيط بها غابات القرم (المانغروف) والطيور البحرية وغزلان الريم الطليقة. وفي العمق الداخلي، تتألق واحة "فلج المعلا" بحصنها التاريخي وأبراجها المربعة والدائرية وبساتين نخيلها التي تسقيها نظام قنوات المياه الجوفية التقليدية (الأفلج)، إلى جانب شواطئ المانغروف البكر وميادين سباقات الهجن التقليدية في اللبسا.
أسهب الرحالة والمؤرخون الغربيون في وصف الأهمية التاريخية لموقع أم القيوين وجزرها؛ وتشير الدراسات الاستشرقية إلى أن موقع "الدور" الأثري في أم القيوين يطابق ميناء "أومانا" (Omana) التجاري التاريخي الذي ذكره البحارة الرومان في دليل الملاحة الشهير "طواف البحر الإريثري" في القرن الأول الميلادي. وفي العصر الحديث، سجل المؤرخ البريطاني جون غوردون لوريمر في موسوعته "دليل الخليج" جغرافيا أم القيوين وتحصيناتها الطبيعية الفريدة، إذ تقع على لسان بحري ضيق تحيط به مياه الخور والبحيرات الساحلية الضحلة، واصفاً شجاعة حكامها من قبيلة آل علي وبسالة بحارتها وتوفر مختلف المؤن في أسواقها واستقبال خورها لمئات المراكب العاملة في الصيد وتجارة اللؤلؤ. كما أبدى باحثو البعثات الأثرية الدولية الفرنسية والدنماركية والبريطانية الذين نقبوا في الإمارة منذ سبعينيات القرن الماضي ذهولهم إزاء استمرارية النشاط البشري والتجاري دون انقطاع على أرض أم القيوين لآلاف السنين وارتباطها الحضاري بأعظم إمبراطوريات العالم القديم.
تستمد المائدة التقليدية في أم القيوين هويتها الغنية من بحيراتها الساحلية الضحلة وخورها الزاخر بأجود أنواع الأسماك والروبيان. ويحتل طبق "صالونة الروبيان وسمك الصافي" مكانة رفيعة على مائدتها الشعبية؛ حيث يُنظَّف الروبيان الطازج أو أسماك الصافي الصغيرة بعناية، وتُتبَّل بخليط البهارات الإماراتية (البزار) والكركم والملح، ثم تُقلى خفيفاً في قدر يحتوي على البصل المفروم المحمر والثوم والزنجبيل. ويُسكب فوقها مرق الطماطم الطازج المسبك وقطع الكوسا والباذنجان والبطاطس، مع إضافة باقة من الكزبرة الطازجة والفلفل الحار واللومي الصحراوي المثقوب لتغلي المكونات على نار هادئة حتى يتشبع المرق بالنكهات البحرية وتثخن مرقته الغنية، ويُقدم مرفقاً بالأرز الأبيض المنكه بالهيل والمزين بـ"الحشو" (وهو حليمة معدة من البصل المحمص والحمص المجروش والزبيب واللومي المطحون). كما تضم مائدة أم القيوين الطبق التراثي "القرص المفروك"، وهو خبز سميك من الطحين الأسرع خبزاً على الجمر والرمال الساخنة، ثم يُنظَّف ويُفتت دقيقاً وهو ساخن ويُعجن بتمر الخلاص والسمن البصري الصافي والفلفل الأسود ليقدم كوجبة إفطار شتوية مغذية. وتُختتم الوجبات بحلويات "اللقيمات" المقرمشة المصبوغة بالزعفران ماء الورد والمغموسة بدبس التمر الطبيعي، إلى جانب حلوى "البيثيثة" المشبعة بعبق الهيل والسمن الأصيل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!