تُعدّ برديّة إيبرس الطبية، المحفوظة في مكتبة جامعة لايبزيغ والمكتوبة بالخط الهيراطيقي حوالي عام 1550 ق.م. خلال عهد الملك أمنحتب الأول، واحدة من أكبر وأقدم الوثائق الصيدلانية الموثقة في تاريخ الطب البشري. تحتوي هذه المخطوطة الفرعونية على سجلات مفصلة للعلاجات التي كانت تُمارس فعلياً في عيادات المعابد ومراكز الشفاء التابعة لبيت الحياة، وكان أبرزها الوصفة الثلاثية التاريخية المخصصة لتطهير وعلاج الجروح العميقة، والحروق المفتوحة، وإصابات المعارك، وعقارب الثعابين، وهي تركيبة طبية كانت تعتمد على توازن دقيق بين كيمياء المواد الطبيعية والخواص الفيزيائية للمركبات العضوية.
تستند هذه الوصفة الطبية المؤكدة إلى ثلاث دعامات صيدلانية متكاملة: عسل النحل البري النقي غير المعالج حرارياً، ولحاء الصفصاف المطحون بعناية، ودهن الإوَز أو الماشية المُصفى، مع إضافة مادّة صمغية مطهرة مثل المرّ أو صمغ اللبان الصحراوي. وفي ميزان الطب الفرعوني، كان الأطباء الجراحون المعروفون بـ "سينو" يدركون من خلال التجربة المخبرية الدقيقة أن دهن الإوَز يعمل كقاعدة دهنية عازلة تمنع الأنسجة الحية من الجفاف والتصاق الضمادات بها، بينما يوفّر عسل النحل تركيزاً أسموزياً فائضاً يسحب الرطوبة من البكتيريا ويمنع تكاثرها، مطلقا بشكل طبيعي كميات ضئيلة من بيروكسيد الهيدروجين الذي يطهر مسار الجرح دون حرق الخلايا المتجددة. أما لحاء الصفصاف، الذي يمثل المصدر الطبيعي الأول لمركب حمض الساليسيليك، فكان دوره تهدئة الألم الموضعي الشديد وتثبط حرارة الالتهاب في الأنسجة المحيطة.
كانت طريقة تحضير هذا المرهم تبدأ بطحن ألياف لحاء الصفصاف الجافة داخل هاون حجري مصنوع من الديوريت أو البازلت حتى تتحول إلى مسحوق ناعم، ثم يًسكب فوقه صمغ المرّ المطحون لضمان القضاء على الفطريات والجراثيم. بعد ذلك، كان دهن الإوَز النقي يذوب على نار هادئة ناتجة عن حرق خشب السطح الجاف لضمان حرارة متجانسة وخالية من السخام، وكان الدهن الدافئ يُسكب تدريجياً على خليط المساحوق مع التقليب المستمر باستخدام أداة برونزية ناعمة حتى يمتزج تماماً. وعندما يبرد الخليط إلى درجة حرارة تلمس جلد اليد، كان عسل النحل البري يُضاف ببطء لكيلا تؤدي حرارة الدهن إلى إتلاف خصائص النشاط الإنزيمي، وكان المركب يُقلّب حتى يتجانس ويتحول إلى مرهم متماسك ذي لون كهرماني داكن ورائحة عطرية نفاذة.
كانت هذه الوصفة تُطبق بعد تنظيف موضع الإصابة بغسول مصنوع من الجعة الحامضة أو محلول مخفف من ملح النطرون بماء النيل الجاري والمعقم، ثم كان المرهم يُمد بسخاء على قطعة من قماش الكتان المصري المغسول والمجفف في ضوء الشمس، مع وضع الضمادة مباشرة فوق الجرح المفتوح. وكانت الضمادة تُثبت بخيوط الكتان دون إحكام مفرط للسماح بتصريف السوائل الزائدة، وكانت هذه الضمادة تُستبدل بحذر كل ثلاثة أيام مشفوعة بملاحظة نمو حبيبات اللحم الجديدة، وهو الأسلوب الذي أثبتت الدراسات المعاصرة على المومياوات والبقايا العظمية لعمال بناء الأهرامات أنه يحقق نجاحاً فائقا في شفاء الكسور المضاعفة وجروح القطع العميق، مجنباً المصابين شبح الغرغرينا والكزاز القاتل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!